السياسات الغربية والعلم ( 1 )
من أفلاطون إلى مارتن لوثر….قراءة في كتاب….

** قدم أفلاطون على لسان أستاذه سقراط ، في محاورة الجمهورية ، نظرية حول القدرات العقلية ، التي تفترض تقسيم البشر إلى ثلاث فئات ؛ الحكام -الفلاسفة وهم في أعلى سلم القدرات العقلية ، يليهم القادة العسكريون ، ويأتي العمال والفلاحون في أدنى السلم ،وأن هذا التقسيم محدد وراثيا ويتحدد بشكل نهائي عند الميلاد وغير قابل للتعديل كطبيعة المعادن ، فالحكام مصنعون من الذهب ، والقادة من الفضة أما العمال والفلاحون فمصنعون من الحديد ……
** كان ظهور كتاب داروين – عن أصل الأنواع عام 1859 - حدثا مدويا ، حيث قدم دارون ما اعتبره دليلا على أن صفات جميع الكائنات الحية تنتقل بالوراثة ، وأن الطبيعة تملك آلية الانتقاء الطبيعي ، مما يؤدى إلى بقاء الأصلح ، والصراع من أجل البقاء هو المبدأ الحاكم للحياة والمحرك للعلاقات بين أفراد النوع الواحد ، وتجاوزت آثار نظرية دارون علم الأحياء لتشمل التأثير في النظريات الفلسفية السائدة في أوربا آنذاك …..
** حيث أعتبر الداروينيون الاجتماعيون ؛ أن القوة المحركة للنمو والتقدم في أى مجتمع هي الصراع بين الأفراد على الموارد المحدودة ،و هذا الصراع يؤدى إلى فرز الأفراد الأقوى والأكثر صلاحية للبقاء عن أولئك الضعاف ذوى الفرص المحدودة في الحياة ، وعلى تلك الفرضية بنيت فكرة الحرية الفردية الكاملة وحرية وحق ؛ الدخول أو عدم الدخول في حلبة الصراع المميت من أجل البقاء في الحياة الإنسانية ، وبالتالي يصنع المجتمع عناصره الأقوى ويضعهم على مقود قيادة المجتمع بصرف النظر عن أي اعتبارات اجتماعية أو أخلاقية ، وعليه ؛ عارض الدارونيون الاجتماعيون كل تدخل من جانب الدولة لمساعدة الطبقات الفقيرة لان تلك المساعدة حسب دعواهم تعارض عمل الاختيار الطبيعي وتعوق تطور المجتمع ، بحجة؛ أن جهد الطبيعة منصرف للتخلص من الفقراء وتنظيف العالم منهم لخلق مكان للأقوى ، و يجب حصر دور الدولة في حماية الحرية الفردية والتأكيد على عدم أعاقتها ، مما يستوجب الحد من دور الدولة في تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع، ويجب عدم فرض أي جمارك أو ضرائب من جانب الدولة على القادرين وهو ما يطلق عليه ( سياسة محافظة ) ترفض التغيير أو الإصلاح باعتباره تدخلا مصطنعا في مسار الانتقاء الطبيعي ……..
** وقدمت بذلك الأفكار الدروانية الاجتماعية تبريرا علميا للاتجاهات السياسية المحافظة ، فساعدت على تسارع النمو الرأسمالي في بريطانيا وأمريكا في نهاية القرن التاسع عشر وإن كانت هي أيضا نتاجا للمناخ السياسي الاجتماعي السائد آنذاك ، والذي يمكن تلخيصه في ثلاث عوامل ؛ 1- الليبرالية السياسية التي أعطت الأولوية للفرد في مقابل الدولة ، 2- البروتستنتية التي دعمت نوعا من العلاقة بين الإنسان والله بعيدا عن المؤسسات الدينية ، 3- الرأسمالية التي دعمت الفردية الاقتصادية والمسؤولية الشخصية …….
** والنتيجة .. ، قُسم الناس إلى ثلاث فئات أو طبقات عقلية على نحو مماثل لما فعله أفلاطون ، ففي الدرك الأسفل يأتي ضعاف العقول كقدر وراثي لا يمكن الفكاك منه ، ووضع في هذه الفئة المجرمين والمدمنين والبغايا والفاشلين ، وربط انحرافهم بعدم قدرتهم الوراثية على التكيف مع ال
المزيد